ابن قتيبة الدينوري
35
تأويل مشكل القرآن
في الصلاة دعاء دائما ، فظن أنه من القرآن ، وأقام على ظنه ، ومخالفة الصحابة . وأما فاتحة الكتاب فإني أشك فيما روي عن عبد اللّه من تركه إثباتها في مصحفه ، فإن كان هذا محفوظا فليس يجوز لمسلم أن يظنّ به الجهل بأنها من القرآن ، وكيف يظنّ به ذلك وهو من أشد الصحابة عناية بالقرآن ، وأحد الستة الذين الذين انتهى إليهم العلم ، و ( النبيّ ) صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا . كما أنزل فليقرأه قراءة ابن أمّ عبد » « 1 » . وعمر يقول فيه : كنيف ملئ علما « 2 » . وهو مع هذا متقدّم الإسلام بدريّ لم يزل يسمع رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يؤمّ بها ، وقال : « لا صلاة إلا بسورة الحمد » « 3 » وهي السبع المثاني ، وأم الكتاب ، أي أعظمه ، وأقدم ما نزل منه كما سميت مكة أم القرى لأنها أقدمها ، قال اللّه عزّ وجل : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً [ آل عمران : 96 ] . ولكنه ذهب ، فيما يظنّ أهل النظر ، إلى القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشك والنسيان ، والزيادة والنقصان ، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد لقصرها ولأنها تثنى في كل صلاة وكل ركعة ، ولأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ترك تعلّمها وحفظها ، كما يجوز ترك تعلم غيرها وحفظه ، إذ كانت لا صلاة إلا بها . فلما أمن عليها العلّة التي من أجلها كتب المصحف ، ترك كتابتها وهو يعلم أنها من القرآن .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة 138 ، وأحمد في المسند 1 / 445 ، 4 / 279 ، والحاكم في المستدرك 2 / 227 ، 3 / 318 ، وابن أبي شيبة في المصنف 10 / 521 ، والطبراني في المعجم الكبير 9 / 62 ، 79 ، وأبو حنيفة في المسند 134 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 288 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 3077 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 4 / 298 ، والعراقي في المغني عن حمل الأسفار 1 / 281 ، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد 5 / 193 . ( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 / 318 . ( 3 ) روي الحديث بلفظ : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين 3 / 47 ، 48 ، وابن حجر في فتح الباري 2 / 252 ، وأبو عوانة في مسنده 2 / 125 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 7 / 124 ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 4 / 1437 . وروي الحديث بلفظ : « لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب » أخرجه أحمد في المسند 2 / 428 ، والدارقطني في سننه 1 / 321 ، والزيلعي في نصب الراية 22147 ، 22148 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 19695 ، وابن حجر في فتح الباري 2 / 242 ، والعقيلي في الضعفاء 1 / 190 .